وهبة الزحيلي
182
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والإنذارات ، كيلا تعودوا لمثل هذا الفعل ، إن كنتم من أهل الإيمان باللّه وشرعه وتعظيم رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، والائتمار بأمره والانتهاء عن نهيه . وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي ويوضح لكم الأحكام الشرعية والآداب الدينية والاجتماعية ، واللّه عليم بما يصلح عباده ، مطّلع على أحوالهم ، فيجازي كل امرئ بما كسب ، حكيم في شرعه وقدره ، وتدبير شؤون خلقه ، وتكليفه بما يحقق سعادتهم في الدنيا والآخرة . 7 - إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا ، لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ هذا أدب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيء ، معناه : إن الذين يشيعون الفاحشة عن قصد وإرادة ومحبة لها ، وإن الذين يرغبون في إشاعة الفواحش وانتشار أخبار الزنى في أوساط المؤمنين ، لهم عذاب مؤلم في الدنيا وهو حد القذف ، وفي الآخرة بعذاب النار ، واللّه يعلم بحقائق الأمور ، ولا يخفى عليه شيء ، ويعلم ما في القلوب من الأسرار ، فردوا الأمر إليه ترشدوا ، وأنتم بسبب نقص العلم والإحاطة بالأشياء والاعتماد على القرائن والأمارات لا تعملون تلك الحقائق . أخرج الإمام أحمد عن ثوبان عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا تؤذوا عباد اللّه ولا تعيروهم ، ولا تطلبوا عوراتهم ، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم ، طلب اللّه عورته حتى يفضحه في بيته » . ولقد ضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن أبي وحسانا ومسطحا ، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف وكف بصره . وهذا التأديب التربوي له مغزاه العميق ، فإن شيوع الفاحشة في مجتمع يجرئ الناس على الإقدام عليها ، ويجعلهم يستسهلون الوقوع فيها . والآية تدل على أن مجرد حب إشاعة الفاحشة كاف في إلحاق العذاب ، فالذين يشيعونها فعلا أشد جرما وإثما وتعرضا للعقاب . ومنشأ حب إشاعة الفاحشة هو الحقد والكراهية ،